جلال الدين السيوطي

202

الإتقان في علوم القرآن

كذلك ، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن ، أي : وإن تغفر لهم - مع استحقاقهم العذاب - فلا معترض عليك لأحد في ذلك ، والحكمة فيما فعلته . ونظير ذلك : قوله في سورة التوبة [ 71 ] : أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وفي سورة الممتحنة [ 5 ] : وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وفي غافر [ 8 ] : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ . إلى قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وفي النور [ 10 ] : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) . فإنّ بادئ الرأي يقتضي تَوَّابٌ رَحِيمٌ لأنّ الرحمة مناسبة للتوبة ، لكن عبّر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللّعان وحكمته ، وهي السّتر عن هذه الفاحشة العظيمة . ومن خفيّ ذلك أيضا : قوله في سورة البقرة [ 29 ] : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) . وفي آل عمران [ 29 ] : قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) . فإنّ المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آية آل عمران الختم بالعلم . والجواب : أنّ آية البقرة : لما تضمّنت الإخبار عن خلق الأرض ، وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، وخلق السماوات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت ، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليّا وجزئيا ، مجملا ومفصلا ، ناسب ختمها بصفة العلم . وآية آل عمران : لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار ، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب ، ناسب ختمها بصفة القدرة . ومن ذلك قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] فالختم بالحلم والمغفرة عقب تسابيح الأشياء غير ظاهر في بادئ الرأي ، وذكر في حكمته : أنه لما كانت الأشياء كلّها تسبّح ، ولا عصيان في حقّها وأنتم تعصون : ختم به مراعاة للمقدّر في الآية وهو العصيان . كما جاء في الحديث : « لولا بهائم رتّع ، وشيوخ ركّع ، وأطفال رضّع ، لصبّ عليكم العذاب صبّا ، ولرصّ رصّا » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه ابن عدي في الكامل 6 / 380 ، والبيهقي في سننه 3 / 345 ، وفي شعب الإيمان 7 / 155 ، وابن أبي